مجتمعات معاقة

إن بداخل كل منا معجزات ومعجزات. فمنها ما هو مرئى معروف، ولكننا -للأسف- لا نلحظه ولا نقدره إلا إذا ذهب عنا وغاب. فالحياة نفسها معجزة وكذلك التنفس، والسير، والنوم، واليقظة، والإبصار، والسمع، والإنجاب، والنمو، والشفاء من الأمراض، والتئام الجروح،…وآلاف المعجزات الأخرى. ولكن المخفى عنا من معجزات بداخلنا لا يقل فى عظمته عن الظاهر منها. فبعضها يتم الكشف عنه، والبعض الآخر يظل طى المجهول، ويتوارى مع جسد صاحبه إلى الأبد تحت التراب. فأما ما يتم الكشف عنه، فيكون ذلك إما عن طريق الصدفة، أو عن طريق الحاجة إليه (فالحاجة أم الاختراع، وكذلك هى أم الاكتشاف)، أو عن طريق التنقيب عنه قصداً.

وتقاس عظمة الأمم -فى رأيى- بقدر ما تستطيع من تحقيق “المعجزات” وليس فقط ”المنجزات” مهما عظمت. كما تقاس بقدرة التغلب على الصعوبات والمعوقات مهما كبرت. وأما الإعاقة، فلا تكمن إلا فيمن يرى نفسه معاقاً، حتى وإن تمتع بكل ما يتمتع به الأصحاء سوى العقل سليم التخطيط وسديد التفكير. وعلى ذكر هذا، فقد لفت نظرى الفيديو الموجود على الرابط التالى:  

 فهو -بحق-  يستحق المشاهدة ويجدر بنا التعليق والتعقيب عليه لما فيه من معانٍ كثيرة ودروس وفيرة لكل من أراد التأمل والتعلم.

 فما نراه إنما هو معجزة بشرية بكل المقاييس؛ إذ نشاهد رقصة باليه (هى الأروع على الإطلاق من وجهة نظرى) لراقص باليه فقد ساقه وراقصة فقدت ذراعها بكامله! وتتجلى المعجزات فى الآتى:

1)  فالمعجزة الأولى هى الفكرة فى حد ذاتها: أى تحمل الراقصين فكرة الاستمرار فى أداء عملهما بالرغم من فقدان عضويهما، والقدرة النفسية على مواجهة الجمهور على هذه الشاكلة. فقد رفض الراقصان أن يوصفا بـ”المعاقين” بالرغم من كل شئ.

2) أما المعجزة الثانية فتكمن فى تصميم الرقصة: فهى رقصة مناسبة لكليهما تجمعهما معاً بحيث يُقَوّى كل منهما الآخر فتتناسب خطاهما وحركاتهما بحيث يتم تحميل وزنيهما على السيقان الثلاثة والأذرع الثلاثة دون إخلال بالتوازن. والمعجزة تكمن فى تقبّل التحدى؛ فلم يمنع هذا التحدى مصمم الرقصة من إضافة حركات غاية فى الصعوبة على من يتمتعون بكامل صحتهم، فما بالنا بمن يسميهم البعض بـ”المعاقين”؟! فكم من الأصحاء، مكتملى الأعضاء، يتسنى لهم فعل ما فعلاه هذان الراقصان؟!

3)  وأخيراً تأتى معجزة التنفيذ: فما نشاهده هنا هو قمة الإصرار على النجاح، والعمل الجاد، والإتقان، والبراعة فى التمرين من قبل المدرّب والمتدربين.

الخلاصة: إذا صدقت النوايا، فليس هناك مستحيلاً لا يمكن تحطيمه.

كما يجسد الفيديو الملاحظات والمصطلحات التالية:

1)  أن نتاج شخصين معاً .. يفوق بكثير مجموع ما ينتجه كل واحد وحده. وهو ما يسمى بالإنجليزية “synergy” فكل من الراقصين لم يكن يستطع فعل ولا حتى نصف ما فعلاه الراقصان معاً.

2)  التركيز على نقاط القوة وإهمال نقاط الضعف: فلو كان كل فرد سلط الضوء على ما لا يمكنه فعله، لما كان شيئاً مما رأيناه! فالتركيز على ما لا يمكن فعله يحبط ويثبّط كل عمل ابتكارى، أو حتى عادى، وبالتالى يؤدى إلى الفشل الحتمى.

3) لمحات مجتمعية: ما رأيناه حدث فى الصين، فهى الدولة التى غزت العالم. وفى رأيى أن هذا لم يحدث من فراغ، وإنما عن طريق عدة أشياء (كما يمكننى أن أستشف من الفيديو): العمل الجاد، والابتكار، والإتقان، والتدريب، واحتضان كل الفئات، والاستفادة من كل الطاقات مهما صغرت، والتخطيط الجيد، واحترام الجميع دون إقصاء لفئة دون الأخرى، إلى غير ذلك من معانٍ يفتقدها الكثير من الشعوب “المعاقة” والمعيقة لكل إبداع.

فالطريق إلى النجاح ليس صعباً، بل يحتاج إلى الوعى بإمكانية النجاح والمثابرة حتى الوصول إليه. كما أن نجاح الشعوب لن يتأتّى أبداً عن طريق إقصاء أو تهميش أية فئة من الفئات أو إطلاق الأحكام بإعدام المحاولة قبل البدء فيها. فالنجاح لا يأتى إلا بعد عدة محاولات فاشلة. ولنركّز على نقاط القوة ونقلّص نقاط الضعف للاستفادة من كل من لديه قدرة على العطاء فى أى مجال وبأى قدر مهما صغر أو بدا غير مؤثر. فالصغير مع الصغير يؤدى إلى عمل كبير، وجسم الإنسان إنما يتكون من خلايا لا ترى بالعين المجردة. وإن حكمنا على الصغير بالإعدام وعدم أحقيته فى أن يولد أصلاً، لما كان هناك شيئ عظيم…

Advertisement

1 Comment »

  1. [...] للنسخة العربية، برجاء زيارة:  http://abcdevelopment.wordpress.com/2009/09/14/handicapped-societies/ [...]

RSS feed for comments on this post · TrackBack URI

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.