دائماً ما يمثل فن الموزاييك (الفسيفساء) نموذجاً لتلاحم الأجزاء الصغيرة مختلفة الأشكال والأحجام والألوان -وأحياناً الخامات أيضاً- ليمثل مجموع هذه الأجزاء معاً كلاً واحداً كاملاً متناغماً متجانساً. ودائماً ما يذكرنى هذا الفن بما يجب أن تكون عليه المجتمعات بكل ما فيها من طوائف وألوان مختلفة من البشر والأيديولوجيات.
هذا ما دعانى إلى أن أذهب وأشاهد معرض المايكروموزاييك (الفسيفساء الدقيقة) الأول للفنان المصرى العالمى المبدع/ سعد رومانى ميخائيل، بدار الأوبرا المصرية. ولكننى عندما ذهبت وشاهدت أعماله الـ38، لم أستطع منع نفسى من التحدث إليه، فذهبت لأتناقش معه فيما هو أبعد من فكرة تكامل الأجزاء الصغيرة لتشكيل كلٍّ كبير. فالإبداع الذى رأيته جلياً فى كل لوحة من لوحاته أثار بداخلى الفضول لأناقشه فى التجربة الروحية والنفسية التى مر بها خلال العمل فى تلك اللوحات. فمجرد وقوفى أمامها أدخلنى فى حالة نفسية وروحية لم أمر بها من قبل، وبالتأكيد ما هى إلا جزء ضئيل من التجربة التى مر بها صانع تلك اللوحات، تلك التجربة الثرية التى رأيتُ وجوب تسليط الضوء عليها.
ولم تكن تلك اللوحات إلا قطعاً من الجواهر المتلألئة التى تتعدى مساحة الواحدة منها أحياناً أربعة أمتار مربعة، تتكامل فيها أجزاء من الزجاج الملون، تصل مساحة كل جزء من تلك الأجزاء أحياناً إلى أقل من الملليمتر الواحد المربع! ولم يكن هذا غريب على الفنان الذى عمل لقرابة العشرين عاماً فى صناعة المجوهرات، فنقل إحساس ومهارة صناعة المجوهرات إلى فن آخر بنفس الروعة والجمال. فتكاملت أدواره فى حياته تكاملاً يشبه فى روعته تكامل أجزاء لوحاته!
فتوجهت بفضول إلى الفنان الرائع الذى كان جالساً بجوار لوحاته يستقبل الزوار، وسألته عن شعوره وهو يصنع أعماله البديعة. وكان سؤالى واهتمامى الأساسى عن تجربة الصبر وراء صناعة تلك اللوحات. فقد أمضى 18 عاماً كاملاً فى صناعة 38 لوحة! وكان هذا الصبر غير اعتيادى فى عصر السرعة الذى نعيشه. ولكنه فاجأنى بردِّه بأن الصبر لم يكن هو التجربة الأسمى! ففى رأيه، الوقت فى حد ذاته لا يصنع شيئاً قيماً. ولكنه أوضح لى أن الأسمى من الصبر هو العمل بجد واجتهاد لإحراز شئ هام واضعاً الغاية والنتيجة النهائية التى تخيلها نصب عينيه. وهذا هو ما جعله يكمل المشوار. فإذا كانت النتيجة لا تستحق عناءً ولا تساوى قيمةً، فإن الصبر عليها عبث ومضيعة للعمر والمجهود. وضرب مثلاً بمشاهدة التلفاز فيما لا يفيد لمجرد المشاهدة، فهو يسرق أعماراً كثيرة ولكن المحصلة النهائية ما هى إلا “صفر” كبير. وذلك لأن الغاية من وراء المشاهدة –إذا كانت هناك غاية من المشاهدة أصلاً- لم تكن تساوى شيئاً. فالدرس الأول هو أن الوقت لا يساوى إلا قيمة ما تم استغلاله فيه. وبيدك وحدك أن تجعل من وقتك ذهباً إذا استثمرته فيما يساوى الذهب، وبيدك أيضاً أن تجله يذهب جفاء.
أما الدرس الثانى، فكان عن قيمة الإبداع. فالإبداع وحده ليس ذا قيمة عظيمة مهما عظمت الفكرة المبدعة إلا إذا علم المبدع كيف يخرج إبداعه فى عمل قيم بطريقة لا تطمث ذلك الإبداع. فإذا لم يتقن المبدع طريقة توصيل فكرته للناس، كان الأحرى به ألا يخرجها للناس بل يجعلها فى طى الكتمان، ذلك أكرم له ولفكرته المسكينة.
وفى النهاية، تحية لكل مبدع وفنان صادق مخلص، وتحية خاصة للفنان سعد رومانى.
لمشاهدة أعماله http://www.facebook.com/profile.php?id=1457806654#!/album.php?aid=606&id=101791053205285
للتغطية الصحفية لأعماله http://www.facebook.com/profile.php?id=1457806654#!/album.php?aid=609&id=101791053205285
http://www.mosaicsmaster.com/الموقع الإلكترونى